محمد بن الطيب الباقلاني
308
الإنتصار للقرآن
واعلموا رحمكم اللّه أنّ هذه سبيل القول عندنا في كل أمر يروى من جهة الآحاد يوجب تفسيق بعض الصحابة وتضليله أو تفسيق من هو دونه من المؤمنين وإلحاق البراءة منه واعتقاد الذّمّ له في أنّه لا يجب قبوله ولا العمل به ، كما أنّه لا يجب العمل بصحّته ، وإنّما يوجب العمل بخبر الواحد الذي لا يوجب العلم في مواضع مخصوصة من الشريعة لموضع التعبّد بذلك ، فأمّا أن نعلمه في تفسيق المؤمنين الأبرار وإيجاب خلع موالاتهم والقضاء على إحباط أعمالهم ، وفي الحكم على الأمّة قاطبة بالضلال والفسق وفي ترك إنكار ذلك الشيء المرويّ الذي يجب إنكاره وأنّه غير جائز ؛ فهذا أيضا جملة توجب الحكم بإبطال هذه الرواية وبترك الإحفال بها والعمل عليها ، وكيف يجوز لمسلم الشهادة على عبد اللّه بن مسعود بجحد سورتين من القرآن وبما يوجب الكفر والارتداد والتبرّي بخبر الواحد ويعدل عمّا ثبت عنده من إيمانه وسابقته وكثرة أقاويل الرسول فيه ، وكونه مرضيّا مقبولا عند الصحابة ، نحو قوله صلى اللّه عليه : « من أحبّ أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأ بحرف ابن أمّ عبد » « 1 » ، وقوله : « رضيت لأمّتي ما رضي لها ابن أمّ [ 190 ] عبد ، ولو كنت مستخلفا / أحدا من أمتي استخلفت ابن أمّ عبد » « 2 » ، وقول عمر فيه مع جلالة قدره : « كشف طيّ علمها » « 3 » ، إلى غير هذا مما هو
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في « المسند » ( 2 : 173 برقم 4340 ) ، وابن ماجة ( 1 : 49 في المقدمة ، فضل عبد اللّه بن مسعود ، برقم 138 ) ، ورواه الحاكم في « المستدرك » ( 3 : 318 كتاب معرفة الصحابة ) . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 7 : 520 كتاب الفضائل ، باب ما ذكر في عبد اللّه بن مسعود ) ، والحاكم في « المستدرك » ( 3 : 318 كتاب معرفة الصحابة ) . ( 3 ) لم أقف عليه .